ابن الجوزي
109
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
بعد الظهر ، فقال الناس : مات أفقه الناس وأشعر الناس . وكان كثير يقول عند موته لأهله : لا تبكوا عليّ فإنّي بعد أربعين يوما أرجع . 582 - يزيد بن عبد الملك بن مروان : توفي بالبلقاء من أرض دمشق وهو ابن ثمان وثلاثين ، وقيل : ثلاث وثلاثين ، وكانت وفاته يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان هذه السنة ، وصلى عليه نساء الوليد ، وكان هشام بن عبد الملك يومئذ بحمص ، وكانت خلافته أربع سنين وشهرا . وكان سبب موته أنه كانت له جارية اسمها حبابة ، وكان يحبها حبا شديدا ، فماتت فتغير وبقي أياما لا يظهر للناس ، ثم مات . وروى أبو بكر بن دريد ، عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي ، عن عمه ، قال : حج يزيد بن عبد الملك في خلافة أخيه سليمان بن عبد الملك ، فعرضت عليه جارية مغنية جميلة ، فأعجب بها غاية الإعجاب فاشتراها بأربعة آلاف دينار ، وكان اسمها الغالية فسماها حبابة ، وكان يهواها الحارث بن خالد المخزومي ، فقال لما بلغه خروج يزيد بها : ظعن الأمير بأحسن الخلق وغدا بليل مطلع الشرق وبلغ سليمان خبرها فقال : لهممت أن أحجر على يزيد يبتاع جارية بأربعة آلاف دينار ، وكان يزيد يهابه ويتقيه ، فتأدى إليه قوله فردها على مولاها واسترجع منه المال ، وباعها مولاها من رجل من أهل مصر بهذا الثمن ، ومكث يزيد آسفا متحسرا عليها ، فلم تمض إلا مديدة حتى تقلد يزيد الأمر . فبينا هو [ في ] [ 1 ] بعض الأيام مع امرأته سعدى بنت عمرو بن عثمان إذ قالت له : بقي في قلبك شيء [ 2 ] من أمور الدنيا لم تنله ؟ قال : نعم حبابة ، فأمسكت حتى إذا كان من الغد أرسلت بعض ثقاتها إلى مصر ، ودفعت إليه مالا وأمرته بابتياع حبابة ، فمضى فما كان بأسرع من أن ورد وهي معه قد اشتراها ، فأمرت سعدى قيمة جواريها أن تصنعها ، وكستها من أحسن الثياب ، وصاغت لها من أفخر الحليّ ، ثم قالت
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 2 ] في ت : « بقي في نفسك شيء » .